ابن عربي

63

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الظلمة ، ما هو الإله الذي خلق النور ، فعدلوا بالواحد الآخر ، وكذلك الذين يقولون بخلق السماوات والأرض ، إنها معلولة لعلة ليست علته الإله ، أي ليست العلة الأولى ، لأن العلة عندهم إنما صدر عنها أمر واحد لحقيقة أحديتها وليس إلا العقل الأول ، فهؤلاء أيضا مما قيل فيهم إنهم بربهم يعدلون ، وسماهم كفارا لأنهم إما ستروا ، أو منهم من ستر عقله عن التصرف فيما ينبغي له بالنظر الصحيح في إثبات الحق ، والأمر في نفسه على ما هو عليه ، فاقتصر على ما بدا له ، ولم يوف الأمر حقه في النظر . وإما إن علم وجحد فستر عن الغير ما هو الأمر عليه في نفسه ، لمنفعة تحصل له من رئاسة أو مال ، فلهذا قيل فيهم : إنهم كفروا أي ستروا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 2 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( 2 ) - الوجه الأول - الأجل المقضي هو الموت الاختياري ، وهو موت في حياة دنياوية ، ولما كان هذا الأجل المقضي معلوم الوقت عند اللّه مسمى عنده ، كان حكمه حكم الأجل المسمى ، وهو الموت الاضطراري في العموم والعرف فمن قتل نفسه في الجهاد الأكبر الذي هو جهاد النفس ، رزقه اللّه حكم الشهادة ، فموته معنوي في حياته الدنيا ، وقتله مخالفة نفسه - الوجه الثاني - [ « ثُمَّ قَضى أَجَلًا » ] « ثُمَّ قَضى أَجَلًا » وهو نهاية عمر كل حي يقبل الموت « وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ » وهو ميقات حياة كل من كان قبل الموت في حياته الأولى ، وهو المعبر عنه بالبعث ، ولذلك قال تعالى : « ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ » يعني فيه فإنّ الموت لا يمترون فيه ، فإنه مشهود لهم في كل حيوان مع الأنفاس ، وإنما وقعت المرية في البعث وهو الأجل المسمى المذكور . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 3 ] وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ( 3 ) « وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ » بيده ميزان الرفع والخفض « يَعْلَمُ سِرَّكُمْ » من حيث اسمه الباطن ، ويعلم « جَهْرَكُمْ » من حيث اسمه الظاهر ، فهو معكم بكل أسمائه « يَعْلَمُ